EWRAQ KURDIYE

بيوار إبراهيم
الكاتب والشاعر كوني ره ش
يعبر حدود الأثنيات العرقية ويحاول جاهداً
عبر كتاباته زرع الصدق والإنسانية


تقديم وحوار: بيوار إبراهيم - قامشلو


كاتب ينحدر من سلالة النرجس, يبدع بكل ما لديه من قوة العشاق وبيادر الأمنيات بين ضفاف القلوب, ينتمي بنسبه إلى الصدق والإنسانية, يعبر بقلمه النافذ حدود الأثنيات والتمييز العرقي كي يصل إلى وحدة شاملة بين صفوف البشرية, يسعى دائماً أن يغني لمكنونات النفس الخفية, يتلاعب مع أسرار وخفايا عمق الذات والوجدانية, يتحدى بإصراره المتين أن يمزق ستائر الزمن الذي يلفنا بطياته, كي نتدحرج ببطىء ثقيل من جبال الحياة إلى وديان التحدي في وجه الفناء, يفتح عبر هذا التحدي فروعاً من شلالات تنحدر من صدر الأمل بغد أفضل ومستقبل أنصع وحياة أجمل... .

إنه الكاتب والشاعر الكوردي (( كونى ره ش )) الذي يرسم لنا لوحة مصورة من وجدان الحياة وينتقي أصدق التعابير وأعمق المعاني وأنبل الأماني... يحاول بناء مدائن لأحلام تأجلت وآمال استسلمت وأمنيات انكسرت, يحاول أن يعيد للزمن المهترىء عبق الصدق وأريج الإنسانية وبريق الضمائر الحية, وكل هذا عبر مساهمته في إضاءة الدروب المعتمة ونظراً لمخزونه الثقافي والفكري والغني بالتجارب الحياتية... ارتأينا أجراء هذا الحوار القيم معه, خدمة للثقافة الإنسانية عامة والكوردية خاصة, يعتبر (( كونى ره ش )) من الكتاب الأوائل الذين كتبوا بالكوردية بعد (( جكرخوين )) و(( عثمان صبري )) وغيرهم, وهو معروف بين الأوساط الثقافية الكوردية في جميع أجزاء كوردستان والمهجر وخلال العقدين الأخيرين كتب في العديد من الصحف والمجلات الكوردية في الداخل والخارج.
فتح صدره بعمق زلالي و صدق نقي عبر هذه الأسئلة التي طرحتها عليه:


1 ـ من هو كونى ره ش ؟


كوني ره ش
يستطيع المرء أن يكتشف كونى ره ش من خلال كتاباته, ويكتشف أيضاً سيرة إنسان عانى ويعاني المرارة والقسوة والألم...معطياً بذلك حياة حافلة بالأحداث والمنزلقات الحياتية, لكنه يبحث دون توقف عن الأهداف الإنسانية النبيلة, حياته أشبه بمحطات متداخلة مع بعضها البعض.. , يرى في قصيدة أو مقالة أو دراسة تاريخية من وجدانه يعبر من خلالها عن أهدافه بكل وضوح, يسلط الضوء على الجوانب السلبية في الواقع المعيشي وكذلك الثقافي... حتى لا تكرر هذه السلبيات مرة أخرى في المستقبل, يمدح الجوانب الإيجابية دائماً ويشجع الآخرين على سلك دروب الوفاء والصداقة والمحبة وأشياء كثيرة من الإيجابيات التي تمنح الحياة رونقاً خاصاً من الأمل... إنه يحاول أن يبني مجتمعاً متقدماً ومتحرراً... كي يخدم الإنسانية والحياة... ؛ (( كوني ره ش )) إنسان ذو نظرة شمولية وواقعية إلى أبعد حد في هذه الحياة, وكما هي الأمور واضحة لدى الكثيرين من القراء ليس هناك استثناء في كتاباته, لا فرق لديه بين الكوردي والعربي والأرمني أو أي فرد آخر... يعطي الإنسان حقه بقدر عمله وإنسانيته وهو غير متعصب لآرائه ويعترف بأخطائه دون خوف أو خجل.

2 - الشعر حالة بلا موعد, تداهم كاتبها في أوقات غريبة, بل مزعجة أحياناً كيف ومتى وأين تكتب الشعر ؟

كتابة الشعر برأيي, حالة وجدانية فردية, وأنا عندما أحاول نظم قصيدة شعرية اندفع نحو السمو إلى القيم الإنسانية النبيلة وهكذا أسلط الضوء على الزوايا المظلمة... كثيراً ما أرى نفسي مضطراً إلى البوح عن مكنونات مخفية في داخلي نتيجة التراكمات اليومية من السلبيات والإيجابيات التي تخرج من الروتين اليومي, حينها أنصب شباك خيالاتي لعل وعسى أصطاد قصيدة أعبر من خلالها عما يعتلي صدري من آمال وآلام, وهذه الفترة هي حالة أرق دائم وقلق مستفز بالنسبة لي أشعر أنني أفتقد إلى شيء ينقصني فأشرع في البحث عن هذا الشيء وأبقى في هذه الحالة المتوترة حتى أصطاد قصيدتي وعندما أنتهي من نظمها, أنام مرتاح البال ويزول عني القلق والأرق والانتظار... ولا يهمني المكان ولا الزمان وبماذا أرسم كلمات قصائدي وعلى أية لوحة أنقش حروفي, الشعر حس ولا بد أن يتعامل الشاعر مع هذه المادة بإحساس وشعور مرهف حتى لا تجرح من مآسينا وتتحطم من جبروتنا.

3 ـ الصحافة ركن من أركان السلطة يستند عليها أكثرية الشعوب, برأيك وبعد مرور أكثر من قرن على ولادة الصحافة الكوردية كيف ترى واقع هذه الصحافة ؟

>كيف يمكنني التحدث عن صحافة ولدت وتطورت في المهجر ؟ وكان شعب كوردستان محروماً منها , أنني أعتبر الصحافة الكوردية يتيمة لأنها بدون دولة وما ظهر من صحف ومجلات في المهاجر البعيدة ليس إلا تعبيراً عن صوت يريد الأنعتاق والتحرر وهذا الصوت نادراً ما يصل إلى داخل كوردستان. كيف يمكن لأربعين مليون كوردي العيش بدون صحافة ؟ لغاية اليوم ليس هناك صحيفة كوردية يومية _بالأبجدية اللاتينية_ والصحيفتين الوحيدتين اليوميتين اللتين تصدران في جنوب كوردستان وهي ( برايتي وكوردستان نوى ) تتوزعان في إطار مدينتي أربيل والسليمانية وهما بالحروف العربية, لكن ! يمكننا القول بأن صحيفة ( ولات وآزاديا ولات ) الأسبوعية التي تصدر من مركز ثقافة مزوبوتاميا في مدينة أستنابول هي الصحيفة الكوردية الأولى باللغة الكوردية _ بالأبجدية اللاتينية_ بعد مجلة( هاوار و روزانو وآرمانج ) وكلها كانت بالأحرف الكوردية _ الأبجدية اللاتينية _ إلا إن توزيعها قليل جداً بين الشعب الكوردي, وكلمة حق يجب أن تقال إنه بعد الانتفاضة المليونية في كوردستان الجنوبية اندلعت ثورة ثقافية سواء بالأبجدية الكوردية اللاتينية أو العربية ومجلتي( دجلة وكولان) خير شاهدتين على هذا القول وكذلك صحيفة( به يمان )الأسبوعية و هي باللهجة الكرمانجية _الأبجدية العربية_ محط فخر واعتزاز لنا وكذلك مجلة( نودم) التي أصدرها ( فرات جوهري ) في ستوكهولم ومجلة (دوكر) التي أصدرها أحمد حسيني وهاتين المجلتين أيضاً محط إعجاب القراء إلا إن أعدادهما كانت  نادرة الوصول إلى داخل الوطن, وهناك العديد من الصحف والمجلات الجيدة التي توقفت عن الصدور مثل صحيفة: أرمانج و وان وهيفي... ورغم هذه المنغصات والعراقيل التي رافقت وترافق الصحيفة الكوردية إلا إنني متفائل بمستقبل باهر لصحافتنا الكوردية خاصة في خضم هذه التغيرات الدولية.

4 ـ يقول الفرانكفونيين: إن الإبداع لا يعرف لغة محددة حتى اللغة الأم لماذا أنت مُصر على الكتابة باللغة الكوردية دون سواها ؟

رغم إجادتي اللغة العربية وكتابتي بها في بعض الأحيان ورغم إن معظم أصدقائي يكتبون بها, إلا أنني لا أستطيع التعبير عن خلجات نفسي سوى باللغة الكوردية لأن هذه اللغة بالنسبة لي هي الكيان وهي الشخصية والمشاعر الصادقة وبالتالي الوجود والهوية, ثم هنالك حالات لا يمكنني التعبير عنها سوى باللغة الكوردية كما هو الحال عند الكاتب العربي الذي لا يستطيع التعبير سوى بلغته العربية, عندما اكتب فأنني أفكر بالكوردية لكنني أستفيد من اللغة العربية أيضا ً خاصة في مطالعاتي وتوسيع آفاق معرفتي... كون ثقافتي الرسمية هي الثقافة العربية وحقيقة جمعت مخزوناً هائلاً من الثقافة والمعرفة عبر اللغة العربية وأنا مدين لهذه اللغة الجميلة. أن الكاتب الذي يختار لغة ما للكتابة, يتوجه مباشرة لمن يتداولون هذه اللغة وأنا عندما أكتب باللغة الكوردية فأنني أكتب لبني جلدتي أولئك الذين يتكلمون و يقرأون بالكوردية, و حالتي هذه مشابهة للذين يكتبون بالعربية أو التركية أو الفارسية أو الإنكليزية, و الكتاب الكورد الذين يكتبون بغير الكوردية كاللغة العربية أو الفارسية أو التركية.. , لا يمكن أدراج أسماءهم بين أسماء الكتاب الكورد لكن هناك البعض ممن يكتبون بلغات أخرى وينتسب كتاباتهم إلى تلك اللغة لكنهم يذكرون أصلهم الكوردي أمثال: يشار كمال و محمد قاضي و سليم بركات و احمد عارف...

5 ـ كل شعب له خصوصيته الإبداعية, الفرنسيين مشهورين بالمسرح و اليونان بالفلسفة و الإيطاليين بفن النحت والرسم التشكيلي و الموسيقى و العرب بمعلقاتهم الشعرية... برأيك نحن الكورد ماذا نملك من خصوصيات سواء كانت إبداعية أو شعبية ؟

لا شك إن خصوصية الكورد تكمن في القوة و الشجاعة ومعها التفرقة و التشتت أيضاً و ها نحن تخطينا بوابة الألفية الثالثة للميلاد و عددنا يربو على الأربعين مليون نسمة و ما زلنا دون كيان سياسي مستقل بنا, برأي السبب الحقيقي لهذه القضية المعقدة هو عدم وحدة الرأي الكوردي و الخيانات الكوردية و استعمال الكورد لشجاعتهم دون فكرهم... لو كنت عضواً في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لوضعت اسم شعب كوردستان في قائمة الشعوب التي لم تتمكن حتى الآن من تأسيس كيانها القومي بشكل رسمي رغم عدد سكانها كما ذكرت, أما بالنسبة للخصوصية التي يتميز بها الشعب الكوردي فيمكن أدراجها في هذين البندين:
الأولى: حب هذا الشعب للمرأة و احترامه لها, و فسح المجال أمامها لتبوء مراكز الصدارة في مجتمعها...
و الخصوصية الثانية للشعب الكوردي تكمن في فلكلوره الغني بالملاحم و الأساطير... و لايمكن فصل الإنسان الكوردي عن الأغنية الكوردية و يقال عنه انه مغني بالفطرة, ولكن! مما يؤسف له, هو عدم أجراء دراسات معمقة عن الفلكلور الغنائي الكوردي .. وهذا أيضا يرجع إلى كون الكورد شعب بدون دولة وهذا ما يجعلهم في آخر ركب الحضارة و عدم التمكن من تقييم خصوصيتهم بشكل صائب و سليم.
هنالك بعض الكورد الذين برعوا في مجال التاريخ و الخصوصية الكوردية أمثال: شرفخان البدليسي وذلك بكتابته عن التاريخ الكوردي و ملا أحمد خاني صاحب أعظم بيان قومي كوردي و قد سبق هذا الشيخ العظيم قادة الثورة الفرنسية بفكره القومي بحوالي مائة عام و هنالك العديد من الشخصيات الكوردية الذين أبدعوا بلغات الشعوب المجاورة أمثال: عمر الخيام صاحب الرباعيات و احمد شوقي و سليم بركات و يشار كمال..
و هنالك العديد من المؤرخين و الفنانين العالميين من اصل كوردي لكنهم أبدعوا بلغات الشعوب المجاورة أعود و اكرر إن السبب هو عدم وجود كيان سياسي كوردي و عدم وجود الاستقرار في كوردستان ؛ الذين لو وجدوا هذا الاستقرار لأبدع كل هؤلاء بلغتهم الكوردية ؛ أخيراً أقول : لا يمكن إعطاء صورة واضحة عن خصوصية الشعب الكوردي , كونه شعب مشتت و منقسم بين دول الجوار و لغته ممنوعة عليه .

6 ـ ذكرت إن من خصوصية الشعب الكوردي حبه للمرأة و احترامه لها... ما مدى نظرتك إلى المرأة و ما مدى عمق معرفتك بعالمها ؟

دائماً أحاول أن أكون عاشقاً, أحاول أن أكون في حالة حب رغم إن هذه الحالة التي أسعى إليها شيء خطير_ على الأقل بالنسبة لي _ مع ذلك لا يمكن للإنسان أن يعيش بدون حب, أما بالنسبة للمرأة فهي مخلوقة رائعة ينبعث منها رائحة الأمل و الأمان, إنها بركان من الحمم بقدر ما هي بحيرة ماء عذب.. حالاتها المزدوجة تثمل الرجل فيعوم بين مياهها دون وعي أو إرادة... عندما تبكي المرأة تفقدني التوازن و تهزمني مهما أكون على جادة الصواب, المرأة سر سعادة الرجل و سر تعاسته و سر قوته وشقائه و سر فشله و نجاحه و كما يقال ( وراء كل رجل عظيم امرأة ) و أنا أضيف وراء كل رجل فاشل امرأة أيضاً.
لا أظن إن المرأة التي ابحث عنها موجودة في هذا الكون, لكن ! ليس هناك شيء مستحيل, لأن الصفات التي أحبها في المرأة ليست مستحيلة قد أجدها في الكثيرات, أنا أحب المرأة التي تشعرني إنها امرأة حقيقية من خلال عظمة حوارها اللغوي و الجسدي و العلاقة التي تقربني منها فنندمج في شعور واحد, حينها أصبح لها كالناسك في معبده الإلهي, لأنني أستطيع أن أبث لها كل مجريات يومي بحذافيرها دون خوف أو خجل كتلاوة صلاة العابد في محراب الإله.
خلق الله المرأة و ألبسها جميع الصفات, و هنا يكمن سر بحث الرجل الدائم عنها و عن حقيقتها الخفية, إن معركة الرجل الأبدية من اجل أن يبقى قلبه سعيداً و هيامه معطراً بالشذا و بقائه ذو معنى حقيقي.. هي معرفته سر هذه المخلوقة؛ في كثير من الأحيان أظن إنني وجدتها, المرأة التي أرغبها لكنني اصطدم بالواقع فيتلاشى الوهم الذي كنت أعيشه رويداً.. رويداً, ثم ابدأ رحلة البحث عن سر المرأة من جديد.
إنني دائم البحث عن المرأة التي تبعد ضجري و مللي و قلقي و تحميني من العواصف و الأعاصير و تشجعني في المضي قدماً نحو الأمام, أحب المرأة التي تحب التمتع بالحياة و تحاول أن تلهو بها و لا يهمها شيء سوى اقتناء الكتب و المطالعة المستمرة كي تتعرف على سر الحياة, أحب المرأة التي تعمل في سبيل العطاء و رفاهية الإنسان و جمال الطبيعة و بالمقابل لا أحب المرأة التي تهوى المال و اقتناء الذهب و الألماس و لا المرأة التي تحب التقبع في المنزل لتطبخ و تنظف و تربي الأطفال.
سر المرأة يكمن في الرجل و سر الرجل يكمن في المرأة, و بقدر ما تبدو الحياة أكثر جمالاً و سعادة و إذا تباعدنا هذا السر تتعكر الحياة, أما من ناحية المظهر فمها كانت المرأة طبيعية في مظهرها تكون أكثر جمالاً و رونقاً لأن المرأة التي تتبرج بالإكسسوارات و الذهب و تتزين بالمساحيق, تريد أن تخدع الآخرين بجمالها المزيف و كما يقولون ( حبل الكذب قصير ), و برأيي بنطال جينز و بلوزة يكونان كافيان لتكون المرأة فخورة بأناقتها و جمالها.

7 ـ دعنا ننتقل من عالم المرأة إلى عالم سليم بركات ملك البحارة الذين يجدفون مراكبهم عكس التيار, صاحب بحر مليء بالمتاهات والغرائب هو نفسه قال: ( أنا عراب المتاهات وخيّال الهاوية ) هذا الروائي المعروف في الساحة الأدبية.. ألا تعتبر تواجده بين المثقفين من أبناء شعبه بعد غياب طويل حدث مهم بيننا, كيف يعلق الكاتب والشاعر(كوني ره ش ) على شخصية غرائبية ومميزة مثل سليم بركات ؟

في مقابلة مع الروائي السوري الكبير حنا مينة على صفحات أخبار الأدب المصرية, تحدث الروائي السوري كثيراً عن التجربة في بناء الرواية وتحديثها وتطويرها نحو الأفضل, وخص نجاح الرواية العربية لنفسه وللروائي العالمي نجيب محفوظ دون أن يتطرق ولو من زاوية صغيرة إلى الروائي السوري الكوردي الأصل
سليم بركات الذي يكتب بالعربية, هذه الكتابات التي تحولت إلى معجم ثمين أضاف رونقاً وبريقاً إلى اللغة العربية, بل أغناها لأكثر من ناحية وخاصة المفردات والجمل المقتبسة عن اللغة الكوردية ومن العالم الخاص بالشعب الكوردي, لقد ترجمت روايات سليم بركات إلى عدة لغات عالمية حية ولا يخفى عن القارىء العربي نضاله الثقافي بين صفوف منظمة التحرير الفلسطينية ووقوفه على جانب الشاعر الفلسطيني الكبير  محمود درويش في إصدار مجلة (الكرمل ) وكذلك لا يخفى على أحد حبه وصداقته للكثيرين من الفلسطينيين وعلى رأسهم الرئيس ياسر عرفات ناهيك عن علاقاته الوطيدة مع الوسط الثقافي الفلسطيني واللبناني, ورغم كل هذه الخدمات الثقافية للشعب الفلسطيني خاصة والشعب العربي عامة إلا إن البعض منهم نعتوه بعرقيته وقذفوه بانحيازه للكوردية وحنينه إلى أصله عندها هب سليم بركات من غفوته وصرخ عبر الجرائد والمجلات: ( أنا كوردي وجاري كوردي وقريتي كوردية... ) والحق إن كوردية سليم بركات لم ترحل عنه ولا عن كتاباته لحظة واحدة فقد برزت كورديته عبر أبطال شخصياته الورقية وعبر حبكة موضعية وطلاسم كلماته وبرزت كورديته أكثر عندما اتصل به المثقفون الكورد بعد انهيار الإتحاد السوفيتي عام /1991/ فألهبوا نار الكوردية بين أوصاله وأشعلوا فتيل الكلمات الكامنة في خلايا عقله وهذا التدفق العفوي من قبل المثقفين الكورد دفع سليم بركات أكثر وأكثر على التمسك بقوميته وكورديته وتقافز من جديد على طرق عامودا وقامشلو وموسيسانا وتل عربيد... , نقش بقلمه فوق صدر كل كوردي بل كل قارىء له عبر قصيدته ( مهاباد ): للعظام رنينها / و للقبور رنينها / الهي هؤلاء أكرادك الهي... /, لقد استضافته الحكومة السويدية كونه كاتب مبدع يخدم الثقافة الإنسانية و باعتباره أيضا من أوائل المبدعين الحداثويين, و أنا اعتبر اتصاله المباشر اليوم مع الأدباء و المثقفين الكورد في المهجر حدث أدبي مهم, بل خدمة كبيرة للأدب الكوردي و المثقفين الكورد, و من زاوية أخرى يعد موقف سليم بركات هذا محمية للكتاب الكورد الذين يكتبون بلغات أخرى دون ان يتطرقوا لا من قريب و لامن بعيد إلى الهم الكوردي عبر ابداعاتتهم و دراساتهم و دون أن يرجعوا أو يشعروا بمعاناة و هموم و آمال شعبهم الكوردي وهذا بحد ذاته حدث مهم, و باعتبار سليم بركات يمثل رمزاً و قدوة للكثيرين فإنه بهذا التواجد غير وجهة نظر هؤلاء الذين يعتبرون من حوارييه و على كل الأحوال فإننا مسرورين بعودة سليم بركات إلى أحضان شعبه دون النظر إلى الوراء.

8- لماذا تكتب و ما جدوى الكتابة و ما الذي يدفعك كمبدع إلى الكتابة كي تنفق حياتك و تضحي بها على مقاصل الكلمة الحقيقية, يقول الشاعر الألماني هولدرن ( ما جدوى الشعراء في زمن البؤس ؟ ), هل هذه المقولة صحيحة بالنسبة لنا نحن الكورد ؟

قبل أن نتعب أنفسنا و نرهق أفكارنا في البحث عن الجواب, يجب علينا بكل ما نملك من قوة و تجارب أن نسأل عن معاني الحياة و خفاياها و أسرارها المكنونة في كهوف الزمن في صدر الحاضر و المستقبل, نسأل عن معنى الإنسان و العلاقات الإنسانية بعيداً عن العنصرية ة الأثنية لأن الكتابة رسالة و هذه الكتابة يجب أن تكون فوق تفكير العرقية, تسأل عن الموت و القدر و الحب و الصداقة.. كل هذه التعابير الوجدانية الحية موجودة في الحياة, و الكتابة هي محاولة جادة للإجابة عن هذه الأسئلة التي تدخل في عمق المكونات الخفية و تفضح جوهرها مثل علاقة الحياة بالإنسان و علاقة الإنسان بمحيطه و بالآخرين بما فيها الطبيعة و الكائنات الأخرى و مادام هذا الشعور حي و موجود و هذه المكونات موجودة و فاعلة, فإن جدوى الكتابة يتربع على عرش الفاعلية و الفائدة و التغلغل بين الأوصال العميقة للإنسانية و معانيها دون منازع أو منافس.
لقد كانت الكتابة و ما زالت ذات قيمة كبيرة, منذ النقوش الحجرية على جدران الكهوف و المعابد حتى اليوم لم تتزحزح الكتابة عن عرشها و لم تكن يوماً من الأيام بلا جدوى لأنها تعبر عن النزوع الفني و الروحي للحياة البشرية وقد عبرت الكتابة بدايات مهمة في تاريخ الشعوب و كانت لها الدور المميز لازدهار التقدم و الديمقراطية بين الكثير من هذه الشعوب مثلاً الثورة الفرنسية و الثورة البلشفية, تم التمهيد لهما من خلال الفكر و الكتابة وذلك عبر كتابات فولتيير و موليير و جان جاك روسو في فرنسا أما في الإتحاد السوفيتي _ سابقاً _ كان هناك كتابات بوشكين و ديستوفسكي و تشيخوف و غوغول و ليو تولوستوي, أما عن جدوى الكتابة بالنسبة للشعب الكوردي فهي مؤثرة وفاعلة خاصة الشعر لأننا لم نتمكن من أغناء الأجناس الأدبية الأخرى وهذا لا يعكس مقولة الشاعر الألماني _ كما ذكرت _ لأن للشعراء في زمن البؤس جدوى و فائدة فكتاباتهم الصادقة تمحي آثار الألم و الجروح و الهموم و أستطيع القول أن الكتابة تمحي البؤس ذاته دون أن يمسها أي سوء أما عن سؤالك لماذا اكتب,  اشعر إنني أذوب مع هذا السؤال لشدة عمقه و مداه البعيد, إنني اكتب للطيور كي ترفرف بحرية في كبد سماءنا, اكتب لعيون الصبايا الحالمات كي ينتعش الأمل و الأمان, اكتب للربيع كي يزدهر الفرح في قلوب العشاق, اكتب للجبال كي تحافظ على شموخها, اكتب للحجل كي تشدو بين بيادر النرجس بحرية, اكتب للأيائل و جبال سيبان خلات كي يتمكن كل سيامند في البحث عن خجاه, اكتب لآرارات و جودي و بيره مكرون و باكوك و قامشلو و تربه سبية و عامودا, اكتب للمناضلين الراقدين في مقبرة النبلاء بقرية دوكر, اكتب عن كل هذا حتى لا أمرض لأنني أصبحت مدمناً على القراءة و الكتابة و بدونهما لا أستطيع التنفس و العيش, يمكنني القول أنني أكتب للحاضر و المستقبل و لهذا فأنني اعبر عما أعانيه و أكابده من آلام و أوجاع و آمال و أحلام, عبر الكتابة و من خلالها أصور الفشل و النجاح, التقدم و الانكسار, بالكتابة فقط أشعر بالراحة و الطمأنينة و من هنا تظهر جدوى الكتابة و فائدتها, الكتابة و الأدب روح و أبداع إنساني و لا يجب أن تتحول إلى سلعة يتاجر بها لأنها رسالة سامية و الكاتب الحقيقي الذي يحمل هذه الرسالة يصبح كاتباً بمليء أرادته و على الرسول أن يوصل الرسالة مهما واجه العواصف و الأعاصير, لأنه بهذه الرسالة الحضارية و الثقافية يصبح شاهداً على الحقائق دون أن يفكر بالمكافآت و بطاقات التقدير لأنه يوجه رسالته إلى روح الإنسان و الروح لا تتحول إلى سلعة أو بازار أبداً.

من أعمال كوني ره ش المطبوعة:

ـ الأمير جلادت بدرخان ( حياته وفكره ): بالعربية _ دمشق / 1992 / وبالكوردية _ استكهولم /1997/
ـ أنتفاضة ساسون: بالعربية _ دمشق / 1995 /, بالكوردية من ترجمة الأستاذ مصدق توفي, دهوك
/ 2001 /.
ـ جمعية خويبون ووقائع ثورة آرارات _ أربيل / 2000 /.
ـ عثمان صبري ـ باللغة الكوردية _ بيروت / 1997 /
وطبع له المجموعات الشعرية التالية وجميعها باللغة الكوردية:
ـ سيبان وجين ( للأطفال ), بيروت / 1997 /.
ـ شاكرته بدرخانم ( للأطفال ), بيروت / 1996 /.
ـ ولاتو _ يا وطن ! , بيروت / 1998 /.
ـ بوابة الحياة والحب, بيروت / 2001 /.
ـ ديوان شعري بعنوان ( جودي جبل المقاصد ) ترجم إلى اللغة العربية من قبل هجار إبراهيم, قيد الطبع.
- و كتاب حول مدينة قامشلي بعنوان ( القامشلي _ مدينة المحبة و التعاون و الإخاء ), قيد الطبع.
- ديوان شعري باللغة الكوردية بعنوان ( صهيل الأماسي الأسيرة ), قيد الطبع.


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]